المواد السامة في المختبرات و كيفية التعامل معها

 

 

التعرض للسمومية
من المعروف منذ زمن طويل أن التعرض لأي مادة بكميات كافية يمكن أن يكون مميتا. ففي القرن السادس عشر، كتب جراح عسكري و كيميائيى يعرف باسم باراسيلسوس: «ما هو الشي الذي ليس ساما؟ كل شيء سام، ولا شيء بدون سمومية، فالجرعة فقط من تحدد السمومية من عدمها ». وهذا يعني أن جرعة التعرض (أو الكمية) للمادة الكيميائية هي من ستحدد التأثيرات السامة التي ستواجهها.
على الرغم من أن أي مادة لديها الإمكانية على أن تكون ضارة لأولئك الذين يتعاملون معها، إلا أنه هناك علاقات معقدة بين المادة وتأثيرها الفسيولوجي في كل شخص، و يُعرف العلم الذي يدرس الآثار الضارة للمادة على الكائنات الحية والنظام البيئي باسم علم السموم.
و هناك عدة العوامل تحدد كيف يمكنك ككائن حي أن تتفاعل عند دخول مادة كيميائية إلى جسمك. وتشمل تلك العوامل على سبيل المثال كيفية دخول المادة الكيميائية جسمك (تعرف باسم طريقة الدخول)، وكمية من المادة (الجرعة) وطول الفترة التي تتعرض لها للمادة الكيميائية (المدة)، والحالة الفيزيائية للمادة السامة (الشكل)، والعديد من العوامل الأخرى، مثل جنس الشخص المعرض، و درجة البلوغ ، والعمر، ونمط الحياة، و حالات التحسس للعوامل المختلفة التي يتأثر بها العضو، والعوامل التحسسية، و التصرف الفطري ، فكل ما سبق غيض من فيض ، و كلها تؤثرعلى شدة التعرض.
إن آثار السمية يمكن أن تكون فورية أو تتأخر إلى وقت لاحق، و يمكن أن تكون عكسية أو غير عكسية كما يمكن أن تكون ضمن العضو أو على نطاق الجسم كله. وتختلف الآثار السمية من خفيفة وعكسية (مثل صداع من التعرض للوهلة الأولى لاستنشاق بخار خلات الإيثيل، الذي يختفي عندما يُستنشق الهواء النقي) إلى خطيرة و غير عكسية (مثل حدوث العيوب الخلقية عند التعرض المفرط للنيكوتين أثناء الحمل، أو السرطان عند التعرض المفرط للفورمالدهيد).
وباستثناء الحالات التحسسية، فإن التأثيرات السمية الناجمة عن التعرض للمواد الكيميائية تعتمد على شدة التعرض (تذكر باراسيلسوس). و بالعموم ، كلما زاد أو طالت مدة التعرض كلما كانت النتائج أكثر كارثية. وبالتالي، يمكنك تقليل أو حتى تجنب الضرر عن طريق التقليل من التعرض إلى الحد الأدنى.
الآن، دعونا نلقي نظرة فاحصة على بعض العوامل المذكورة أعلاه و التي يمكن أن تحدد كيف يمكن للتعرض للمواد الكيميائية أن يؤثر سلبا عليك.

مسار الدخول / التعرض
تحدد الطريقة التي ستدخل فيها المادة الكيميائية الجسم و المعروفة باسم مسار الدخول أو التعرض (ROE)، العوامل الأخرى للتعرض. و بالإضافة إلى ذلك، فإنه من المهم أن تعرف كيف يمكن أن تدخل مادة كيميائية إلى جسمك من أجل حماية نفسك من التعرض و ذلك لأن المخاطر الخاصة بك يمكن أن تقلل من خلال القضاء على أو تقليل من طرق التعرض.
و هناك أربع طرق يمكن من خلالها للمواد الكيميائية دخول الجسم:
الاستنشاق. يمكن للمادة الكيميائية أن تدخل الجسم من خلال الجهاز التنفسي عن طريق التنفس. و يمكن أن تكون المادة على شكل بخار أو غاز أو دخان أو ضباب أو غبار، و تعتبر هذه الطريقة من أكثر مسارات الدخول أو التعرض (ROE) شيوعا في مختبرات الكيمياء.

الإبتلاع. يمكن للمادة الكيميائية دخول الجهاز الهضمي من خلال الفم (شفويا). وطبعا من المستحيل أن يتناول (يأكل) المرء مادة كيميائية في المختبر عن قصد لأن هناك قواعد أساسية تمنع أكل المواد الكيميائية أثناء الوجود في المختبر. و يمكن أن تكون طريقة التعرض هذه للمواد الكيميائية من خلال الأكل أو مضغ العلكة أو استعمال مستحضرات التجميل، أو التدخين في المختبر (التي ليست مشكلة كبيرة كما كان في السابق) أو استعمال السواك أو تناول الطعام دون غسل اليدين بعد العمل في المختبر. و بالتالي يتم القضاء على هذا المسار من خلال حظر الأكل والشرب في المختبر.

الامتصاص. عندما تلامس مادة كيميائية الجلد، فإن الجلد قد يمتصها. كما يمكن أيضا أن يقع امتصاص للأبخرة الكيميائية يمكن أن يقع أيضا من خلال العينين والأغشية المخاطية.

الحَقن. يمكن للمواد الكيميائية أن تدخل الجسم من خلال قَطِع في الجلد بواسطة طرف حاد ملوث. و هذا يشمل القطع الحادة من كوب زجاجي مكسور ملوثة أو إساءة استخدام أداة حادة ملوثة، مثل السكاكين أو الإبر أو الحُقن.

الجُرعة
بالنسبة للمواد الكيميائية، تُعرف الجرعة بأنها كمية المادة السامة التي تم تعاطيها في وقت واحد. و عادة يتم الجرعة عادة يتم التقرير عن الجرعة بطريقة الكمية المتعاطاه لكل وحدة كتلة للجسم ، مثل مليجرام لكل كيلوغرام (ملج / كلج) و هذا يعني أنه يتم ربطها مع كتلة الجسم بحيث يمكن مقارنة الجرعة مع تقارير الجرع الأخرى. ولكن يمكن كتابة التقارير عن الجرعة بطرق أخرى باختلاف طرق التعرض الأخرى. فمثلا عادة ما يتم التقرير عن جرعات الجلد من حيث الكمية في مساحة سطح الجلد، مثل مليجرام لكل سنتيمتر مربع (ملج / سم2). كما يتم الإبلاغ عن الجرعات المنقولة جوا من حيث الكمية لكل وحدة حجم الهواء (التركيز)، مثل ميكروجرام لكل لتر (ميكروغرام / لتر) أو مليجرام لكل متر مكعب (ملغ / م3)، أو جزء من المليون (جزء في المليون) لفترة معينة من الزمن.

مدة و تواتر التعرض
يمكن وصف الآثار الصحية الناجمة عن أي مادة سامة من خلال مدة التعرض و بدء التأثير. و يتميز التعرض الحاد بالاستيعاب السريع للمادة السامة من خلال جرعة واحدة أو أكثر خلال 24 ساعة أو أقل. وعادة ما يكون التأثير الناتج لهذا التعرض في البداية مفاجئا و موضعيا ، و يمكن أن يكون مؤلما أو حادا أو حتى مميتا، و بالطبع ينتج ما سبق من خلال التعرض لمرة واحدة لتراكيز عالية جدا .
وغالبا ما تكون آثار التعرض الحاد انعكاسية، بمعنى إذا استنشقت مادة سامة و عانيت مباشرة بصعوبة في التنفس ، فإن تنفسك يعود إلى وضعه الطبيعي عند مغادرة الغرفة والحصول على الهواء النقي، و يمكن تعريف ما سبق بأنه تعرض حاد أدى إلى حدوث تأثير حاد. و لكن إذا دخلت السمية مجرى الدم فإن ذلك يؤدي إلى تأثيرات على المستوى العضوي لعضوٍ ما في الجسم و الذي قد لا يظهر تأثيره على الفور. و في هذه الحالة، فإن التعرض الحاد قد يكون له تأثير لاحق أو تأثير مزمن (طويل الأجل).
و يتميز التعرض المزمن عادة بالتعرض المتكرر للجرعات المنخفضة و بمدة تقاس بالأشهر أو السنوات، و للأسف قد لا تكون آثار التعرض واضحة على الفور (يقال بأنها غدارة) و عادة لا يمكن عكسها.
و يُعرف علم الحرائك الدوائية بأنه دراسة لكيفية معالجة الجسم للمواد التي يتعرض لها، وبمجرد دخول المادة الجسم، فإنها سوف تمر من خلال مسار محدد حيث الامتصاص، و الانتشار، والتمثيل الغذائي، و الاطراح. فسرعة و مدى و مكان عملية الامتصاص و الأعضاء التي انتشرت فيها المادة ، و كيفية التمثيل الغذائي لها إن حدث أو لم يقع (أي تحويلها إلى مواد أخرى) و ما هي نواتج عملية الأيض ، ومدى سرعة طرحها أو التخلص منها خارج الجسم ، كل ما سبق سوف يؤثر جميعا على كيفية تأثير سمومية المادة على الفرد.

مجموعات المواد الكيميائية المعروف عنها بأنها مثيرة للتأثيرات السمية
مواد لها تأثير تآزري أو التشاركي و يحث ذلك عندما تتحد مادتين أو أكر و ينتج عنها مجتمعة أثرا سلبيا أكبر من المتوقع إذا ما تم التعرض لها فرادى . و مثال على التأثير التشاركي هو ما ينتج عند التعرض للكحول والمذيبات التي تحتوي على الكلور: فالكحول في هذه الحالة يعمل على زيادة سمية المذيبات المكلورة . كما أنه يمكن أن يقع العكس تماما ، فمثلا يمكن لمادة سامة ما أن تقلل من تأثير مادة سامة أخرى ، و هذا ما يعرف باسم التأثير المضاد. و هناك العديد من آليات التأثير المضاد ، و من الأمثلة على ذلك استخدام الإيثانول كمضاد لتأثير الميثانول ، و حيث أن نواتج الأيض للميثانول سامة جدا و بسبب كون الإيثانول هو المفضل من ناحية التمثيل الأيضي ، فإنه يمكن أن يطرح الميثانول خارج الجسم.

أما المواد المسببة للحساسية فهي العوامل التي ينتج عنها ردود فعل في المناعة و التي يمكن أن تتعامل معها في المختبر. و يمكن على سبيل المثال أن تسبب المواد المثيرة للحساسية أمراضا في الجهاز التنفسي كالربو مثلا أو أن تعمل على حدوث إلتهابا في الجلد إذا ما لامست الجلد (الأكزيما مثلا) . كما أن ليس الجميع عرضة لمسببات الحساسية. ويقال أن المادة كيميائية تكون مسببة للحساسية إذا أثارت الحساسية عند عدد كبير من الناس، فمثلا تعتبر شجرة السماق السام مثيرة للحساسية للجميع . فمن المواد الكيميائية و التي تعتبر مثيرة للحساسية و التي يمكن أن تتعامل معها في المختبر هي معادن النيكل والكبريت ومركباتها و مركبات الساليسايلات (الأسبرين و الونترجرين -شاي كندا- و هي نبتة دائمة الاخضرار بيضاء الزهر و حمراء الثمر و تعتبر مصدر طبيعي لساليسايلات الميثيل)، و الفورمالين (الفورمالدهيد)، و اللاتكس (الذي أصبح يستخدم بوتيرة أقل حاليا). وعلى ما سبق فإنه يجب عليك أن تخبر أستاذ المادة إذا كنت تعرف أو حتى تشك بأنك قد تكون حساسا للمادة الكيميائية التي سيتم استخدامها في المختبر الخاص بك – و هذا سبب آخر لماذا يتحتم عليك قراءة خطوات إجراء التجربة قبل المجيء إلى المختبر.

الغازات المسيلة للدموع و هي مواد كيميائية تسبب تدمع غزير للعينين بسبب تأثيرها الحاد على الغدد الدمعية. فعلى الأغلب تعاملت مع هذا النوع من المواد مثل مادة (1-سلفانيل البروبان) إذا قمت بتقطيع البصل في وقت سابق. فالتدميع هو استجابة بيولوجية للتخفيف من مادة مزعجة دخلت العين ، و لكن في أغلب التعرضات الشديدة للغازات المسيلة للدموع لا يقع أي ضرر دائم للعينين. فإذا كانت المادة مسيلة للدموع وجب الإشارة إلى ذلك في ملصق العبوة التي تحتويها و في بطاقة معلومات السلامة. فالنظارات ليس بالضرورة قادرة على منع هذه الأبخرة من الوصول إلى عينيك ، و لذلك وجب عليك التعامل مع هذه المواد في خزانة طرد الغازات، كما يجب شطف الأدوات الزجاجية في خزانة طرد الغازات قبل إزالتها ليتم غسلها في الحوض. كما يجب عليك دائما غسل يديك في نهاية العمل المختبري، ولكن من المهم بشكل خاص عند التعامل مع هذه المواد الكيميائية أن تضمن أنها لن تلامس عينيك.

يمكن للمذيبات العضوية أن تخترق الجلد و أن يتم استنشاقها بسهولة ، وبالتالي فإنها تشكل خطرا على الصحة بالإضافة إلى خطر القابلية للاشتعال. فالعديد من المذيبات العضوية يمكن أن تخترق الجلد السليم و تُستنشق بسهولة عندما تكون متطايرة بما فيه الكفاية، وبالتالي فإنها تُشكل خطرا على الصحة بالإضافة إلى خطر القابلية للاشتعال الناجمة عن العديد من هذه المذيبات. و عندما تكون على اتصال مع الجلد، فإن معظم المذيبات العضوية تسبب الجفاف والتكسير. كما أن الأبخرة الناتجة عن جميع المذيبات العضوية سامة و البعض منها أكثر سمومية من الآخر. وتشمل العلامات والأعراض النموذجية للتعرض المفرط لأبخرة المذيبات العضوية: الصداع، والدوخة، و صعوبة في النطق، و تأثيرات في التنفس أو تغير في معدل ضربات القلب، وفقدان الوعي، ونادرا الموت. أما الأعضاء الأكثر تأثرا من سمومية المذيبات العضوية هي: الجهاز العصبي المركزي، والكبد، والكلى. لذلك تجنب ملامسة الجلد لهذه السوائل ، كما ينبغي العمل مع المذيبات العضوية في خزانة طرد الغازات للحفاظ على مستويات الأبخرة في هواء التنفس عند مستويات مقبولة. كما يجب اختيار القفازات الواقية بعناية للتأكد من أنها واقية بشكل كاف.

إن للمعادن الثقيلة العديد من الآثار السمية المعروفة. فقد لا تزال تتعامل مع عنصر الزئبق من خلال موازين الحرارة المكسورة (إذا كان المختبر الخاص بك لا يزال يستخدم مقياس الحرارة الزئبقي) أو من خلال تسرب الزئبق من مقياس المانومتر، و المستخدم لقياس الضغط في مختبر الكيمياء. و حاليا يتزايد عدد المختبرات التعليمية التي تستبدل الأدوات أو الأجهزة المحتوية على الزئبق السام ببدائل أكثر أمنا. فسمية الزئبق تراكمية عصبية، كما يمكن أن يكون التعرض للزئبق من خلال ملامسته للجلد أو من خلال استنشاق أبخرته ، و عندما ينسكب الزئبق فإنه يصبح من الصعب تجميع قطراته حيث أن بعضها صغير للغاية بحيث لا تلفت النظر. لذلك يجب أن يتم تنظيف الزئبق المتسرب على الفور وبشكل دقيق من قبل أفراد مدربين بشكل صحيح باستخدام معدات متخصصة وطرق كشف خاصة، و بناء على مسبق فإنه يجب عليك إبلاغ أستاذ المادة فورا إذا كسرت مقياس حرارة زئبقي أو شاهدت مقياس حرارة مكسور.

أما المواد الخانقة فهي مواد لديها القدرة على حرمان الجسم من الأوكسجين. فالخانق البسيط (مثل النيتروجين) يحل محل الأكسجين أو يقلل من مستويات الأكسجين في الهواء إلى مستوى غير متوافق مع الحياة. أما الخانق الكيميائي (مثل أول أكسيد الكربون) فإنه يمنع الجسم من استخدام الأكسجين المتوفر في الهواء أو يقلل من نقل الأكسجين في الجسم.

 

 

مقالات قد تفيدك :

أضف تعليق

كلمات دليلية: , , , ,